رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
349
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
الرضا عليه السلام ، وسنورد هناك بعضَ ما تركنا هاهنا ، وقد مرّ بعضها في باب نفي الجسم والصورة ، وباب نفي الزمان والمكان . « 1 » انتهى كلامه أعلى اللَّه مقامه . وأنا أقول : حلّ الشبهة المورَدة في مسبوقيّة أفعال العباد بإرادتهم إنّما هو بأن يبيّن معنى كون إرادتهم مخلوقةً بنفسها ، وقد بيّنّاه في رسالتنا في إبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين . ونقول هاهنا على وجه الإجمال : إنّ الإرادة المطلقة من الصفات الذاتيّة للحيوان بما هو حيوان ، ولذا تسمعهم يقولون في حدّ الحيوان : « إنّه جوهر قابل للأبعاد نامٍ حسّاسٌ متحرّك بالإرادة » . وأمّا الإرادات الجزئيّة نوعاً وشخصاً ، فتابعة للفصول والقوى المركّبة في كلّ نوع ، والمزاج وقوّة القوى وضعفها بالفطرة ، وبمصادفات الأمور الخارجيّة من المعاشرات والاكتسابات للعلوم والأخلاق والسلطنة والمال إلى غير ذلك . والكلّ بتقدير الحكيم القدير ومشيّته وقضائه ، وكلّ مصادف بالنسبة إلى خصوص كلّ أحدٍ مهيّج قوّة من القوى ، وداعٍ إلى حركة خاصّة ، وإذا تعارضت القوى فالدست للغالب ، فهيجان الشوق إلى ما دعاه الغالب هو الإرادة الجزئيّة ، فالإرادة المطلقة كالمادّة تحصل لها في كلّ شخص باعتبار الحالات المذكورة صورةٌ ، وتكون كامنةً فيه إلى أن تبرز بأسباب البروز وتصير شخصاً ؛ « از كوزه همان برون طراود كه دروست » والعصمة من اللَّه . وفي الصحيفة السجّاديّة التي هي زبور آل محمّد عليهم السلام : « إذا هَمَمْنا بهَمَّيْنِ يُرضيك أحدُهما عنّا ، ويُسخطك الآخر علينا ، فَمِلْ بنا إلى ما يُرضيك عنّا ، وأوْهِنْ قوّتَنا عمّا يُسخِطُك علينا ، ولا تُخَلِّ في ذلك بين نفوسنا واختيارها ؛ فإنّها مختارةٌ للباطل إلّاما وَفَّقْتَ ، أمّارةٌ بالسوء إلّاما رَحِمْتَ » . « 2 » وفيما سمح جواد القلم هاهنا كفايةٌ لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد .
--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 145 - 147 . ( 2 ) . الصحيفة السجّاديّة ، ص 58 ، الدعاء 9 .